منير سلطان

218

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

فجزالة اللفظ شاغله ، وفخامته وسلاسته همه ، فنراه يحمل على غرابة الألفاظ وعلى من يتشبهون بالبدو الجفاة في استخدام الآبد « 1 » الوحشي من الألفاظ ، فإنهم إن كانوا إنما رووا هذا الكلام لأنه يدل على فصاحة ، فقد باعده اللّه من صفة البلاغة والفصاحة ، وإن كانوا إنما دوّنوه في الكتب ، وتدابروه في المجالس لأنه غريب ، فأبيات من شعر العجاج وشعر الطرماح وأشعار هذيل تأتى لهم من حسن الرصف على أكثر من ذلك « 2 » . وقد أداه هذا إلى أن يقول أنّ « المعاني مطروحة في الطريق يعرفها الأعجمى والعربي ، والبدوي والقروي ، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة وجودة السبك وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير » « 3 » ويطلب الجاحظ إلى كل من يريد الوقوف على معاني الكتاب والسنة وقوفا دقيقا أن يفقه أسرار ودلالة ألفاظها وصيغها فقها حسنا « 4 » ونتيجة هذه الدراسات عند الجاحظ أن كتابنا المنزل ، معجز وإعجازه في نظمه « 5 » ويقول أيضا « إعجازه في نظمه وأسلوبه العجيب المباين لأساليب العرب في الشعر والنثر » « 6 » . وليس من شك في أن كتابه المفقود الذي صنّفه في ( نظم القرآن ) كان يشتمل على كثير من ملاحظاته البلاغية » « 7 » ، على أنه لم يسقط المعاني جملة فقد كان يرى رأى العتابي في أنها تحل من الألفاظ محل الروح من البدن « 8 » .

--> ( 1 ) الآبد الوحشي من الألفاظ : الغريب المستكره . ( 2 ) نفس المصدر - 1 / 378 . ( 3 ) الجاحظ - الحيوان - 3 / 131 . ( 4 ) نفس المصدر - 1 / 153 . ( 5 ) نفس المصدر - 4 / 90 . ( 6 ) الجاحظ - البيان والتبيين - 1 / 383 . ( 7 ) الجاحظ - الحيوان - 3 / 86 حيث أشار إلى تأليفه لهذا الكتاب . ( 8 ) الجاحظ - رسائل الجاحظ - رسالة في الجد والهزل . ويعلق الدكتور شوقى ضيف على تعريف الجاحظ « إنما الشعر صياغة وضرب من التصوير » قائلا « وتعريفه للشعر على هذا النحو يدل على أنه كان يدخل التصوير وما يطوى فيه من أخيلة في الصياغة واللفظ ، وقد يكون في ذلك ما يخفف من حدة الظن بأنه قدم الألفاظ من حيث هي على المعاني ، إنما كان يريد الأسلوب بمعنى أوسع من رصف الألفاظ . إذ أدخل فيه الأخيلة والتصاوير » البلاغة تاريخ وتطور ص 25 .